فصل: مسألة في دخول الهمزة على (رأيت):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البرهان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.(القاعدة) الرَّابِعَةُ:

قَالُوا: لَا يَنْبَنِي مِنَ الْعَاهَاتِ: فَلَا يُقَالُ: مَا أَعْوَرَ هَذِهِ الْفَرَسَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى} فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنَ الضَّلَالَةِ وَهُوَ مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ لَا مِنْ عَمَى الْبَصَرِ الَّذِي يَحْجُبُ الْمَرْئِيَّاتِ عَنْهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِبَيَانِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.
وَعَلَى هَذَا فَالْأَوَّلُ اسْمُ فَاعِلٍ وَالثَّانِي أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ فَقْدِ الْبَصِيرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ عَمَى الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ أَعْمَى فَلَا يَكُونُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْأَوَّلَ، على عَمَى الْقَلْبِ وَالثَّانِي عَلَى فَقْدِ الْبَصِيرَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَمْرٍو فَأَمَالَ الْأَوَّلَ وَتَرَكَ الْإِمَالَةَ فِي الثَّانِي لَمَّا كَانَ اسْمًا وَالِاسْمُ أَبْعَدُ مِنَ الْإِمَالَةِ.

.(القاعدة) الْخَامِسَةُ:

يَكْثُرُ حَذْفُ الْمَفْضُولِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَكَانَ أَفْعَلُ خَبَرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خير}.
{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى ألا ترتابوا}.
{والله أعلم بما وضعت}.
{وما تخفي صدورهم أكبر}.
{إنما عند الله هو خير لكم}.
{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أملا}.
{أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا}.
{فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا}.
وَقَدْ يُحْذَفُ الْمَفْضُولُ وَأَفْعَلُ لَيْسَ بِخَبَرٍ كَقَوْلِهِ تعالى: {فإنه يعلم السر وأخفى}.

.(القاعدة) السادسة:

قد يجيء مجردا عن مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَيَكُونُ لِلتَّفْضِيلِ لَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ.
ثُمَّ هُوَ تَارَةً يَجِيءُ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرض}.
وَمُؤَوَّلًا بِصِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عليه}.
فـ: (أعلم) هاهنا بِمَعْنَى عَالِمٌ بِكُمْ إِذْ لَا مُشَارِكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى هَيِّنٍ إِذْ لَا تَفَاوُتَ فِي نِسْبَةِ الْمَقْدُورَاتِ إِلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يُلْقَى في النار خير}.
وقوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}.
أَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَحْنُ أعلم بما يستمعون به}.
و: {نحن أعلم بما يقولون}.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ من نفعه} فَمَعْنَاهُ الضَّرَرُ بِعِبَادَتِهِ أَقْرَبُ مِنَ النَّفْعِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ: {أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} وَلَا نَفْعَ مِنْ قَبْلِهِ أَلْبَتَّةَ؟
قِيلَ لَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} تَبْعِيدٌ لِنَفْعِهِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لما لم يصح في اعتقادهم هَذَا بَعِيدٌ جَازَ الْإِخْبَارُ بِـ: (بُعْدِ) نَفْعِ الْوَثَنِ وَالشَّاهِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد}.

.(القاعدة) السَّابِعَةُ:

أَفْعَلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
مُضَافٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}.
وَمُعَرَّفٍ بِاللَّامِ، نَحْوُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و: {ليخرجن الأعز منها الأذل}.
وَخَالٍ مِنْهُمَا وَيَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِـ: (مِنْ) الَّتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ جَارَّةً لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أنا أكثر منك مالا}.
وَقَدْ يُسْتَغْنَى بِتَقْدِيرِهَا عَنْ ذِكْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وأعز نفرا}.
وَيَكْثُرُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ خَبَرًا كقوله: {والآخرة خير وأبقى}.
وَحَيْثُ أُضِيفَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى جَمْعٍ مُعَرَّفٍ نَحْوُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَلَا يَجُوزُ زَيْدٌ أَفْضَلُ رَجُلٍ وَلَا أَفْضَلُ رِجَالٍ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ لَا بُدَّ أَنْ يكون جماعة يُفَضِّلُهَا وَإِنَّمَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ تَقُولَ أَفْضَلُ الرِّجَالِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافلين} فَجَوَابُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهِ تَقْدِيرًا بَلِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ وَقَامَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ وَكَأَنَّهُ قال أسفل قوم سافلين ولا خلاف أَنَّهُ يُضَافُ إِلَى اسْمِ الْجَمْعِ مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا نحو أفضل الناس والقوم وأفضل ناس أفضل قَوْمٍ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجَازُوا تَنْكِيرَ هَذَا ولم يجيزوا ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ؟
قُلْتُ: لِأَنَّ أَفْضَلُ الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ بَلْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ فَخَفَّفُوهُ بِتَرْكِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الثَّانِيَةِ إِذَا كَانَ أَفْعَلُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ مُضَافًا جَازَ تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ قَالَ تعالى: {واتبعك الأرذلون} و: {بالأخسرين أعمالا}.
وقال في المفرد {إذ انبعث أشقاها}.
وقال في الجمع: {أكابر مجرميها} و: {إلا الذين هم أراذلنا}.
وَتَقُولُ فِي الْمُؤَنَّثِ هَذِهِ الْفُضْلَى قَالَ تَعَالَى: {إنها لإحدى الكبر} {فأولئك لهم الدرجات العلى} وَحُكْمُ فَعَلَى حُكْمُ أَفْعَلَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِ (مِنْ) إِلَّا مُضَافًا أَوْ مُعَرَّفًا بِأَلْ وَأَمَّا قوله: {وأخر متشابهات} فَقَالُوا إِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مِنْ أَيْ وَأُخَرُ مِنْهَا مُتَشَابِهَاتٌ.

.تَنْبِيهٌ: لَفَظُ (سَوَاءٍ):

سَوَاءٌ: أَصْلُهُ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ يَجْرِي عَلَيْهِ يُقَالُ اسْتَوَى اسْتِوَاءً وَسَاوَاهُ مُسَاوَاةً لَا غَيْرَ فَإِذَا وَقَعَ صِفَةً كَانَ بِمَعْنَى مُسْتَوٍ وَلِهَذَا تَقُولُ هُمَا سَوَاءٌ هُمْ سَوَاءٌ كَمَا تَقُولُ هُمَا عَدْلٌ وَهُمْ عَدْلٌ وَالسَّوَاءُ التَّامُّ وَمِنْهُ دِرْهَمٌ سَوَاءٌ أَيْ تَامٌّ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {في أربعة أيام سواء} أَيْ مُسْتَوِيَاتٍ وَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى الْمَصْدَرِ أَيِ اسْتَوَتِ اسْتِوَاءً كَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّكِرَةِ.
ويجيء السواء بمعنى الوسط كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أَيْ عَدْلٍ وَهُوَ الْحَقُّ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الربيع: وسواء لا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمُضْمَرِ فِي سَوَاءٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِسَوَاءٍ وَهُوَ مِمَّا جَازَ فِي الْمَعْطُوفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

.النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ والأدوات:

وَالْبَحْثِ عَنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُ لِاخْتِلَافِ مَدْلُولِهَا وَلِهَذَا تَوَزَّعَ الْكَلَامُ عَلَى حَسَبِ مَوَاقِعِهَا وَتَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضلال مبين}، فَاسْتُعْمِلَتْ (عَلَى) فِي جَانِبِ الْحَقِّ وَ: (فِي) فِي جَانِبِ الْبَاطِلِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ كَأَنَّهُ مُسْتَعْلٍ يَرْقُبُ نَظَرُهُ كَيْفَ شَاءَ ظَاهِرَةٌ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَصَاحِبُ الْبَاطِلِ كَأَنَّهُ مُنْغَمِسٌ فِي ظَلَامٍ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ.
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} فَعَطَفَ هَذِهِ الْجُمَلَ الثَّلَاثَ بِالْفَاءِ ثُمَّ لَمَّا انْقَطَعَ نِظَامُ التَّرْتِيبِ عَطَفَ بِالْوَاوِ فَقَالَ تَعَالَى: {وليتلطف}، إِذْ لَمْ يَكُنِ التَّلَطُّفُ مُتَرَتِّبًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطَّعَامِ كَمَا كَانَ الْإِتْيَانُ مِنْهُ مُرَتِّبًا عَلَى التَّوَجُّهِ فِي طَلَبِهِ وَالتَّوَجُّهُ فِي طَلَبِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى قَطْعِ الْجِدَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُدَّةِ اللُّبْثِ بِتَسْلِيمِ الْعِلْمِ لَهُ سُبْحَانَهُ.
وَكَمَا فِي قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} الْآيَةَ فَعَدَلَ عَنِ اللَّامِ إِلَى (فِي) فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ إِيذَانًا بِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ اسْتِحْقَاقًا لِلتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ بِاللَّامِ لِأَنَّ (فِي) لِلْوِعَاءِ فَنَبَّهَ بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى أَنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يَجْعَلُوا مَظِنَّةً لِوَضْعِ الصَّدَقَاتِ فِيهِمْ كَمَا يُوضَعُ الشَّيْءُ فِي وِعَائِهِ مُسْتَقِرًّا فِيهِ وَفِي تَكْرِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِ دَاخِلًا عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ.
قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ: {وَفِي الرِّقَابِ} يقل والرقاب لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ فِيهِ أَقْرَبُ.
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي}، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَحْسَنَ بِي وَإِلَيَّ وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمَعَانِي وَأَلْيَقُهَا بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (بِي) لِأَنَّهُ إِحْسَانٌ دَرَجَ فِيهِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الْغَايَةَ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا.
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}، وَلَمْ يَقُلْ (عَلَى) كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ (على) للاستعلاء والمصلوب لا يجعل على رؤوس النَّخْلِ وَإِنَّمَا يُصْلَبُ فِي وَسَطِهَا فَكَانَتْ فِي أَحْسَنَ مِنْ عَلَى.
وَقَالَ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان}، ولم يقل فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ عِنْدَ الْفَنَاءِ لَيْسَ هُنَاكَ حَالُ الْقَرَارِ وَالتَّمْكِينِ.
وَقَالَ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يمشون على الأرض هونا} وقال: {ولا تمش في الأرض مرحا}، وَمَا قَالَ: عَلَى الْأَرْضِ وَذَلِكَ لَمَّا وَصَفَ الْعِبَادَ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُمْ عَلَيْهَا مُسْتَوْقِرُونَ وَلَمَّا أَرْشَدَهُ ونهاه عن فعل التبختر قال لا تَمْشِ فِيهَا مَرَحًا بَلِ امْشِ عَلَيْهَا هَوْنًا.
وقال تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين}.
وقال: ابن عباس الحمد الله الذي قال: {عن صلاتهم ساهون}، وَلَمْ يَقُلْ فِي صَلَاتِهِمْ.
وَقَالَ: صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} فَلَوْ سَقَطَتْ مِنْ جَازَ كَوْنُ الْحِجَابِ فِي الوسط وإن تباعدت وإذا أتيت بـ: (من) أَفَادَتْ أَنَّ الْحِجَابَ ابْتِدَاءٌ مِنْ أَوَّلِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ (مِنْ) وَانْتَهَى إِلَى غَايَتِهِ فَكَأَنَّ الْحِجَابَ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
وَقَالَ: كرر الجار في قوله: {وعلى سمعهم} لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى شِدَّةِ الْخَتْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حِينَ اسْتَجَدَّ لَهُ تَعْدِيَةً أُخْرَى.
وَهَذَا كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ إِحْصَاؤُهُ وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ مَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ فَلْنَذْكُرْ مُهِمَّاتِ مَطَالِبِهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ.

.الْهَمْزَةُ:

أَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ وَهُوَ طَلَبُ الْإِفْهَامِ وَتَأْتِي لِطَلَبِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ بِخِلَافِ هَلْ فَإِنَّهَا لِلتَّصَوُّرِ خَاصَّةً وَالْهَمْزَةُ أَغْلَبُ دَوَرَانًا وَلِذَلِكَ كَانَتْ أُمَّ الْبَابِ.
وَاخْتَصَّتْ بِدُخُولِهَا عَلَى الْوَاوِ نَحْوُ: {أَوَكُلَّمَا عاهدوا}.
وعلى الفاء نحو: {أفأمن أهل القرى}.
وَعَلَى ثُمَّ نَحْوُ: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ}.
وَ: (هَلْ) أَظْهَرُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ مِنَ الْهَمْزَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} {فهل أنتم منتهون} و: {فهل أنتم مسلمون}، فذلك لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاثة، حَيْثُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ أَدَلُّ عَلَى حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَثُبُوتِهِ وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ فَهَلْ تَشْكُرُونَ وَهَلْ تُسْلِمُونَ لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُعْدَلُ بِالْهَمْزَةِ عَنْ أَصْلِهَا فَيُتَجَوَّزُ بِهَا عن النفي والإيجاب والتقرير وغير ذلك الْمَعَانِي السَّالِفَةِ فِي بَحْثِ الِاسْتِفْهَامِ مَشْرُوحَةً فَانْظُرْهُ فيه.

.مسألة في دخول الهمزة على (رأيت):

وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَأَيْتَ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ أَوِ الْقَلْبِ وَصَارَتْ بِمَعْنَى أخبرني كقولك أرأيك زيدا مَا صَنَعَ فِي الْمَعْنَى تَعَدَّى بِحَرْفٍ وَفِي اللَّفْظِ تَعَدَّى بِنَفْسِهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا}.
{أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى}.
{أرأيت الذي يكذب بالدين}.